ابن العربي

392

أحكام القرآن

ونحوه . فإذا كانت كذلك وجب أن تلحق بالرخص التي تكون مقرونة بأحوال الحاجة وأوقاتها ، ولا يسترسل في الجواز استرسال العزائم ؛ وإلى هذا مال جماعة من الصحابة ، واختاره مالك ؛ ومنهم من جعلها أصلا ، وجوّز نكاح الأمة مطلقا ، ومال إليه أبو حنيفة . وقد جهل مساق الآية من ظنّ هذا ؛ فقد قال اللّه تعالى ما يدلّ على أنه لم يبح « 1 » نكاح الأمة إلّا بشرطين : أحدهما عدم الطّول . والثاني خوف العنت ؛ فجاء به شرطا على شرط ، ثم ذكر الحرائر من المؤمنات والحرائر من أهل الكتاب ذكرا مطلقا ؛ فلما ذكر الإماء المؤمنات ذكرها ذكرا مشروطا مؤكّدا مربوطا . فإن قيل : حلقتم على دليل الخطاب بألفاظ هائلة ، وليس في هذه الآية إلا أنّ اللّه تعالى ذكر في نكاح الأمة وصفا أو وصفين فأردتم أن يكون الآخر بخلافه ، وهذا دليل الخطاب الذي نازعناكم فيه مذ كنّا وكنتم . فالجواب عنه من وجهين : أحدهما - أنّا نقول : دليل الخطاب أصل من أصولنا ، وقد دلّلنا عليه في أصول الفقه وحقّقناه تحقيقا لا قبل لكم به ، ومن راد دراه . الثاني - أنّ هذه الآية ليست مسوقة مساق دليل « 2 » الخطاب كما بينا ؛ وإنما هي مسوقة مساق الإبدال ، وإنما كانت تكون مسوقة مساق شبه دليل الخطاب لو قلنا : انكحوا المحصنات المؤمنات بطول وعند خوف عنت ، فأما وقد قال : ومن لم يستطع منكم ؛ فقرنه بالقدرة التي رتّب عليها الإبدال في الشريعة وأدخلها في بابها بعبارتها ومعناها لم يقدر أحد أن يخرجها عنها ، فليس لرجل حكمه اللّه واضع « 3 » . ومن غريب دليل الخطاب أنّ الباري تعالى قد يخصّ الوصف بالذكر للتنبيه ، وقد يخصّه بالعرف ، وقد يخصّه باتفاق الحال ، فالأوّل كقوله تعالى : فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ ، وقد قال تعالى : وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ ؛ فإنه تنبيه على حالة الإثراء ، وخصّ حالة الإملاق « 4 » بالنهى ؛ لأنها هي التي يمكن أن يتعرّض الأب لقتل الابن فيها . وكذلك قوله تعالى : لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً خصّ حالة الإكثار والإثراء التي تتعلق بها

--> ( 1 ) في ل : يجز . ( 2 ) في ل : مسوقة مساق الخطاب . ( 3 ) هكذا في الأصول . ( 4 ) في ا : الإمكان .